صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
255
تفسير القرآن الكريم
وهذه التي ذكرناها جملة يحتاج إلى التفصيل والتدقيق في غير هذا الموقف ، وقد فصّلناها وبسطنا القول فيها وفي نظائرها من المقاصد الربوبيات في كتابنا الكبير المسمى ب « الأسفار الأربعة » . ومن عجائب صنع اللّه سبحانه أنه أبدع نظائر جملة هذه الحقائق المتعلقة بذاته المقدسة من القلم ، واللوح ، والقضاء ، والقدر ، وعالمي الخلق والأمر ، والشهادة والغيب ، والدنيا والآخرة . وأودع من كل واحد من تلك المعاني أنموذجا ومثالا في فطرة الآدمي وروحه ليصير صورة الإنسان مثالا له ذاتا وصفاتا وأفعالا ، وإن لم يكن مثلا له لتعاليه عن الشبه والمثل . فكما ان لأفعال الإنسان عند إرادة صدورها منه وبروزها من مكامن غيبها إلى مظاهر شهادتها أربعة مراتب : لكونها أولا في مكمن روحه العقلي الذي هو غيب غيوبه في غاية الخفاء كأنها غير مشعور بها ، ثم ينزل إلى حيّز قلبه الحقيقي ونفسه الناطقة عند استحضارها وإخطارها بالبال كلية ، ثم ينزل إلى مخزن خياله ونفسه الحيوانية مشخصة جزئية ، ثم يتحرك أعضاؤه عند إرادة إظهاره فيظهر في الخارج فكذلك الحال فيما يحدث في العالم بعناية اللّه تعالى وإرادته من الحوادث ، إذ الأول بمثابة القضاء ، ومحله بمثابة القلم ، والثانية بمثابة نقش اللوح المحفوظ ، ومحله اللوح المحفوظ من الفساد لأنه جوهر روحاني ناطق لا يفسد بفساد البدن . والثالثة بمثابة الصورة في السماء الدنيا ونقش لوح القدر على ما نراه ، ومحله اللوح المقدور الجسم الصيقل البخاري الدخاني المشابه للسماء وهي دخان ، والرابعة بمثابة الصور الحادثة في المواد العنصرية . ولا شك إن النزول الأول لا يكون إلا بإرادة كلية ، والنزول الثاني بإرادة جزئية خفيّة ينظمّ إلى الإرادة الأولى الكلية فيتخصص بها وتصير جزئية ، فينبعث بحسب ملائمتها ومنافرتها رأي جزئي يستلزم إرادة جازمة داعية إلى إظهاره ، فيتحرك الأعضاء والجوارح ويظهر الفعل ، فحركة الأعضاء 156 بمثابة حركة السماء ، وظهور الفعل هو القدر على المذهب الثاني .